أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

323

العقد الفريد

الأمر من قبل ومن بعد ! قالت : يا أمير المؤمنين ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ « 1 » ؛ واذكر يا أمير المؤمنين أليّتك « 2 » . ما استشفعت إلا شفعتني ! قال : واذكري يا أم الرشيد أليّتك لا شفعت لمقترف ذنبا . قال سهل بن هارون : فلما رأته صرّح بمنعها ولاذ عن مطلبها ، أخرجت حقا « 3 » من زبرجدة خضراء فوضعته بين يديه ؛ فقال الرشيد : ما هذا ؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه قميصه وذوائبه « 4 » وثناياه ، قد غمست جميع ذلك في المسك ؛ فقالت : يا أمير المؤمنين ، أستشفع إليك وأستعين باللّه عليك وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك . فأخذ هارون ذلك فلثمه ، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا ، وبكى أهل المجلس ، ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه ، فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ ، وقال لها : لحسنا ما حفظت الوديعة ! قالت : وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين ! فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها ، وقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 5 » . قالت : واللّه يقول : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 6 » . ويقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ « 7 » . قال : وما ذلك يا أم الرشيد ؟ قالت : ما أقسمت لي به أن لا تحجبني ولا تجبهني قال : أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكّمة فيه . قالت : أنصفت يا أمير المؤمنين ، وقد فعلت غير مستقيلة لك ، ولا راجعة عنك . قال : بكم ؟ قالت : برضاك عمن لم يسخطك ! قال : يا أم الرشيد ، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم ؟ فتحكّمي في تمنية بغيرهم . قالت : بلى قد

--> ( 1 ) سورة الروم الآية 4 . ( 2 ) الأليّة : اليمين . ( 3 ) الحقّ : وعاء صغير ذو غطاء . ( 4 ) الذوائب : جمع ذؤابة : وهي شعر مقدم الرأس . وثناياه . أسنانه الأربعة التي في مقدم الفم . ( 5 ) سورة النساء الآية 58 . ( 6 ) المرجع نفسه . ( 7 ) سورة النحل الآية 91 .